السبت، 8 فبراير 2014

ملك الأردن يحصّن نظامه باستعجال «الدولة البديلة» بقلم الشيخ ناهض حتر

نشر الشيخ ياسين العجلوني للشيخ ناهض حتر

ملك الأردن يحصّن نظامه باستعجال «الدولة البديلة»


الملك عبدالله ونتنياهو في عمان هذا الشهر (أ ف ب)
وسط النار التي تلتهم المنطقة على أمواج احتدام الصراع أو التسوية الكبرى في سوريا ولبنان والعراق ومصر ـــ وفي الخلفية، دائماً، الحلف السعودي ـ الإسرائيلي في مواجهة إيران ـ لم يعد الرأي العام العربي ليهتمّ بما يحدث في مسار تفاوضي أصبح ثانوياً، أعني المسار الفلسطيني ـ الأردني ـ الإسرائيلي
ناهض حتر
بدأت الاحتجاجات خجولة في عمّان، لكن اجتماعاً ضم عدداً من الضباط المتقاعدين، على رأسهم الفريق أول عبدالهادي المجالي رئيس مجلس النواب الأسبق، وضع النقاط على الحروف، فرأى، في بيان، أن «حكومة عبدالله النسور تتجاوب كلياً مع مشاريع تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، وأنها منصاعة – تماماً – للإملاءات الخارجية» وخصوصاً «الاستهداف الأميركي – الصهيوني للوطن، عبر مشاريع وخطط يروّجها وزير الخارجية الاميركي جون كيري». ودعا العسكريون المتقاعدون إلى «عقد ملتقى وطني، في النصف الأول من شباط المقبل، غايته تحديد الثوابت الوطنية الأردنية غير القابلة للتنازل أو التفريط، وإعلان موقف حاسم من أي جهة رسمية تمسها أو تتجاوز عليها تحت أي مسوغ».
اللافت أن الموقّعين على البيان لم يذكروا أنهم «متقاعدون»، بل وقّعوا، في رسالة تحد، كعسكريين... منهم «الفريق الركن دروع محمود حماد، والفريق الركن مظلي موسى العدوان، واللواء مخابرات محمد العتوم، واللواء الركن دروع أحمد الرشايدة، واللواء الركن مدفعية محمد إبراهيم خريسات، واللواء شرطة عدنان العبداللات، واللواء الركن دفاع جوي محمد جمال المجالي»، إضافة إلى عمداء وعقداء ومقدمين من الناشطين المعروفين في حركة المتقاعدين العسكريين.
بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، هناك مؤشرات على قنوات سرية وتفاهمات وعروض في الغرف المغلقة والعلن، آخرها اقتراح الرئيس محمود عباس إحلال قوات من حلف شمالي الأطلسي محل القوات الإسرائيلية في الغور الفلسطيني، لضمان أمن الحدود مع الأردن. هذا الاقتراح عيّنة من حلول بديلة لمشكلات تطرحها تل أبيب التي تريد الحصول على أكثر ما يمكن من المكتسبات في اللحظة الراهنة، الأكثر ملاءمة لتركيع فتح ـــ رام الله، وتخيير حماس ـــ غزة الغارقة في الصراعات العربية العربية، بين الخضوع أو الضرب.
لكن الأخطر هو ما يحدث في الأردن، حيث يستنفر نظام الحكم للشروع العاجل في تنفيذ مضاعف ذاتي الاندفاع لما هو مطلوب منه في إطار مشروع جون كيري لتسوية تقوم ليس فقط على إلغاء حق العودة، بل، أيضاً، تهجير المزيد من الفلسطينيين من أراضيهم، ومن سوريا ولبنان نحو التوطّن في الأردن. صحيح أن هناك أحاديث حول مهاجر أخرى: كندا وأستراليا والخليج، لكن الأردن هو البلد الذي سيكون حاضنة جيوسياسية لأغلبية الفلسطينيين خارج فلسطين. ليس ذلك المصير مفروضاً من الخارج فقط، بل هو يعبّر، بالأساس، عن تكوّن مصالح واتجاهات داخلية لإنشاء دولة بديلة في الأردن.
في مطلع التسعينيات، رأى المحافظون الأميركيون الجدد (بول وولفوتز) أن السلام والتحديث في الشرق الأوسط يظلان مهددين ما ظلت البلدان العربية المجاورة لإسرائيل استبدادية؛ فالديموقراطية، حسب وولفوتز، هي التي تصنع سلاماً حقيقياً وازدهاراً في المنطقة، ولاحظ أن الديموقراطية تحتاج إلى تغييرات هيكلية في ثلاث دول عربية: العراق ـــ حيث تحكم الأقليةُ السنيّةُ الأكثريةَ الشيعيةَ ـــ وسوريا ـــ حيث تحكم الأقليةُ العلويةُ الأكثريةَ السنيةَ ـــ والأردن ـــ حيث تحكم الأقليةُ الشرق أردنية الأكثريةَ الفلسطينية ـــ.
كانت هذه النظرة في قلب الحرب الأميركية على العراق، وفي قلب «الثورة» الدموية في سوريا، والآن جاء دور الانقلاب الديموغرافي السياسي في الأردن. وقد تشكلت الظروف المناسبة لكي يفي نظام الحكم بالتزامه التنفيذ الذاتي للخطة؛ فأولاً، أظهر الحراك الشعبي الشرق أردني، بين عامي 2010 ـــ 2012، مدى الهوّة التي تفصل بين النظام وتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبين قاعدته القديمة، المفقرة والمهمشة، في المحافظات. لقد صُدم الملك عبدالله الثاني وأركان حكمه بحجم المعارضة الشعبية الجديدة وعمقها وشراستها، فبدأ يرى في التسريع في الانقلاب الديموغرافي السياسي ضرورة للحفاظ على نظامه. لكن اللحظة كانت مربكة للغاية، وهي كادت تطيحه لولا انشقاق الإخوان المسلمين عن الحركة الوطنية، تحت عنوانين أدّيا إلى عزلتهم وإضعافهم شعبياً، هما: (1) تقديم أنفسهم للأميركيين باعتبارهم القوة البديلة القادرة، أكثر من النظام ـــ المتردد والمقيّد ببنية الدولة وأجهزتها ومؤسساتها ـــ على تنفيذ خطة الانقلاب الديموغرافي السياسي بصورة جذرية وسريعة ومترافقة مع ديموقراطية إخوانية تستوعب حلاً كونفدرالياً لتفاهم واقعي مع إسرائيل، (2) الانخراط الإخواني في الصراع ضد سوريا، وتالياً انكسار علاقاتهم مع القوى القومية واليسارية.
الآن، وقد تراجع الحراك الشعبي في المحافظات، وخرج الإخوان من المنافسة، بدأ النظام أكثر حرية في التسريع بمشروع «الدولة البديلة»؛ فعلى العكس من نظامي البعث في بغداد ودمشق، اللذين رفضا وقاوما تغيير بنى الدولة وتوجهاتها، مقابل البقاء، اختار النظام الأردني بقاءه في دولة بديلة، من شأنها أن تضمن قاعدة اجتماعية ـــ سياسية جديدة للعرش، وتؤمن سلاسة انتقاله إلى ولي العهد، حسين، المولود من أم فلسطينية.
ظهر مصطفى حمارنة، الأستاذ الجامعي السابق والمرتبط بالمحافظين الأميركيين الجدد، في مفاصل رئيسية، خلال العشرين عاماً الأخيرة؛ فهو كان بارزاً في التنظير لمعاهدة وادي عربة (1994)، وفي التنظير للعدوان على العراق (2003)، وفي بناء شبكة معادية لنهوض الحركة الوطنية الأردنية (2010) بالتنسيق مع صديقه وحليفه عزمي بشارة، وفي دعم «الثورة السورية»، وفاز في انتخابات 2013 بمقعد نيابي مشكوك في صحته. وفي البرلمان، بدأ يلعب دوره الحالي؛ شكّل ما يعرف بـ«المبادرة النيابية» التي حظيت بدعم موصول وعلني من الملك الذي فرض على حكومة عبدالله النسور القبول بتوجهاتها «الإصلاحية».
للدقة، لا ينشط حمارنة ـــ ومبادرته وشبكته ـــ لخدمة أهداف أميركية ـــ إسرائيلية، بل يتساوق معها، في إطار رؤية كوّنها، انطلاقاً من منظور محافظ جديد، ترى أن البنية الشرق أردنية عشائرية ومتخلفة اجتماعياً وسياسياً، ومعادية للتحديث والديموقراطية. وهو يعتقد، كما العديد من الليبراليين الأردنيين، أن إحداث انقلاب ديموغرافي سياسي في الأردن يمنح «الأغلبية الفلسطينية» فرصة الحكم، وسوف يؤدي إلى بناء ديموقراطي حديث في البلاد.
هكذا، اجتمعت العوامل الخارجية والداخلية لتكوين عملية متسارعة لتحقيق مشروع جون كيري باندفاع ذاتي من قبل تحالف متعدد الدوافع والأهداف، ويستغل الاحتياجات الإنسانية الضاغطة على الجمهور الفلسطيني في الأراضي المحتلة وبلدان الشتات لاستخدامه كأداة انقلاب اجتماعي ـــ سياسي.
ردّ الفعل في المحافظات، حتى الآن، هو الذهول من تسارع التطورات، وسط ضغوط اقتصادية ومعيشية متصاعدة، ومشاعر القلق من الآتي على مسافة رمية حجر من الحرب السورية. وقد تبين أن شبكة «الدولة البديلة» كان جرى بناؤها بثبات، خلال السنوات الفائتة، وتوسعها لتشمل وزراء وقيادات سياسية وأمنية ويساريين وقوميين وصحافيين ورجال أعمال، جلّهم من الشرق أردنيين!
وبينما تفتقر الحركة الوطنية إلى منابر بعدما سيطر تيار توطيني على صحيفة «العرب اليوم»، وتم تقييد المواقع الإلكترونية ومراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، وتجنيد أبرز الصحافيين، وكذلك في ظل نشاط محموم تقوم به وزارة الداخلية ضد الناشطين الوطنيين، لم يعد ممكناً تقصّي نمو حركة الاحتجاج المتوقع انفجارها فجأة، وقد تقود البلاد إلى انشقاق سياسي عميق، وانفراط أمني محفوف بمخاطر انفلات إرهابي.

التهجير الناعم
فكرة «الدولة البديلة» قديمة، متوافرة بكثرة في الأدبيات الصهيونية التي تدّعي أن «أرض إسرائيل» جرى تقسيمها، بالفعل، عام 1921: حصل العرب على كامل ضفتها الشرقية ( الأردن)، حيث المكان الذي تنازلت عنه الصهيونية ليكون الدولة الفلسطينية. وفي معاهدة وادي عربة بين عمان وتل أبيب، تم السير خطوة رئيسية في هذا الاتجاه: الاعتراف الأردني بأن اللاجئين والنازحين في المملكة يشكلون قضية إنسانية واقتصادية، يتم بحثها في إطار خطط التوطين. مذ ذاك، كانت الحدود مفتوحة، دائماً، للتهجير الناعم من الأراضي المحتلة باتجاه الأردن؛ بلغ عدد المهجرين مليوناً في عام 2011، وقفز فجأة إلى مليون ونصف عام 2013، إضافة إلى أكثر من ربع مليون غزّي، ومثلهم من أزواج الأردنيات وأبنائهن، وعشرات الآلاف من فلسطينيي سوريا.
عربيات
العدد ٢٢١٠ الخميس ٣٠ كانون الثاني ٢٠١٤

بهدوء | الأردنيون والفلسطينيون: شعبٌ واحد ودولتان بقلم الشيخ ناهض حتر

نشر الشيخ ياسين العجلوني للشيخ ناهض حتر 

بهدوء | الأردنيون والفلسطينيون: شعبٌ واحد ودولتان

ناهض حتر
هما شعبٌ واحدٌ بالجغرافيا التاريخية لجنوبيّ سوريا؛ وبالجغرافيا السياسية من حرب 1948، وضمّ القدس والضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية، الوحدة عام 1951 والانفصال عام 1974 (من جهة منظمة التحرير الفلسطينية) وعام 1988 (من جهة عمّان)؛ وبالجغرافيا السكّانية، من اللجوء والمواطنة، والاندماج الاقتصادي والاجتماعي، والتجربة السياسية.
علاقة الفلسطينيين بالأردن، وبالأردنيين، مجهّلةٌ، وما تزال محكومةً بحدث محدود طارئ لم يخترق المجتمع وظل على حدوده البرانية، يتمثل بصدامات أيلول 1970؛ لم تكن تلك، بأي معنى من المعاني، حرباً أهلية؛ كانت صداماً بين شرعية ودولة مملكة الضفتين، وشرعية و«دولة» فلسطين المستقلة بقيادة فتح، وقد نأى المجتمع عنها، بل وسعى الطرفان المتقاتلان ــــ برغم الدعاية والضجيج ــــ إلى تخفيض الخسائر (بالمقارنة مع الحروب اللاحقة، تبدو أيلول 1970، اليوم، كحرب افتراضية) وحصر المواجهات في بعدها السياسيّ الصرف: بانتصاره، عسكرياً، خسر الملك حسين، سياسياً، وربح ياسر عرفات، جولة العمر: حقّ تمثيل الفلسطينيين الموحّدين في كيان واحد لمنظمة التحرير. نتائج أيلول 1970، تحققت في قمة الرباط 1974، حين جرى الاعتراف بالمنظمة «ممثلاً شرعياً ووحيداً». وليست مفارقة أن هذا ما كان يريده، في الواقع، رجال الـ70، وصفي التل وحابس المجالي وسواهما من رجال الدولة الأردنية التي قررت استعادة شخصيتها الخاصة لما قبل 1951. وكانت تلك الاستعادة، عنوان السبعينيات الأردنية في الجيش وجهاز الدولة والقطاع العام والإعلام والجامعة والثقافة الخ، وإعادة تكوين الحركة الوطنية، وشعارها: أردن وطني ديموقراطي، ودولة فلسطينية مستقلة بقيادة المنظمة.
ما حدث، في النهاية، هو انفصال الدولة (الأردنية) ومشروع الدولة (الفلسطينية). وبالانفصال، وبغض النظر عن انشغالات النظام والمنظمة، ذهب الأردنيون، على كل مستوى، نحو بناء الذات الوطنية؛ جرى تأسيس «شرق الأردن» من جديد، ووجد في المهاد المشرقي، حليفين : البعث السوري (في صراعه مع «المنظمة») والبعث العراقي (في صراعه مع إيران الخميني). حافظ الأسد وصدام حسين، شريكا الملك حسين في السياسة الأردنية الداخلية، قدّما كل ما يلزم من دعم لعملية سياسية، اقتصادية وأمنية ودفاعية، أنشأت الكينونة الشرق أردنية، وحمتها من الضغط الإسرائيلي (ونقيضه الفلسطيني) معا؛ في ربيع 1989، أصبحت هذه الكينونة جاهزة للتعبير الشعبي عن نفسها في ما عُرف بانتفاضة نيسان؛ كانت انتفاضة محافظات، دوافعها المباشرة اقتصادية ــــ اجتماعية تعترض على سياسات خصخصة الدولة ــــ لكن دوافعها العميقة ذهبت نحو إعلان كينونة وطنية مستقلة، واتجهت نحو إعادة ترتيب الدولة جذرياً، حين فاجأها العدوان على العراق وانكفاء صدام حسين وراء الحصار المديد، والتغييرات التي أنتجها تدفق مئات آلاف الفلسطينيين ــــ الأردنيين من الكويت والخليج، ثم أوسلو 1993، ونشأة الظروف التي أدت إلى معاهدة وادي عربة 1994، حين خرج النظام الأردني، موضوعياً، من الدائرة العربية المشرقية، إلى الدائرة الأميركية ــــ الإسرائيلية ــــ السعودية؛ ترسّخ هذا النهج كلياً لدى احتلال العراق 2003، وتضامن مع نهج الخصخصة واقتصاد السوق المعولَم حتى انفجرت الأزمة المالية ــــ الاقتصادية عام 2008، وترجمتها السياسية عام 2010، عودة ظهور الحركة الوطنية ثم الحراك الشعبي لعامي 2011 و2012، وكانت هويته شرق أردنية، و عنوانه الأبرز، إعادة تأسيس الدولة.
السيرة الموازية للتشكّل الكياني الفلسطيني معروفة للقراء، ولن نقف عندها إلا للتذكير بأن الإنجاز الأساسي للحركة الوطنية الفلسطينية، يظل ماثلاً في وحدة الكينونة الفلسطينية بغض النظر عن الوضع السياسي الخاص بالمجموعات الفلسطينية.
هكذا، وُجدتْ، بالنسبة للوضع الأردني، مشكلة تناقضية: شعبٌ واحدٌ ودولة ثنائية الوطنية! ميزانها الديموغرافي ــــ السياسي حسّاس للغاية؛ لقد بلغ المكوّن الفلسطيني من المواطنين، 43 في المئة. وعند هذا الحد يمكن التوصل، كما تقترح أوساط وطنية، إلى شراكة لا تمسّ الهوية، لكن تتصاعد التيارات التي تسعى إلى المحاصصة على الطريقة الطائفية اللبنانية والعراقية، ويغدو خطيراً جداً السجال حول تجنيس وتوطين المزيد من الفلسطينيين تحت أي شعار، إنساني أو سواه. وتحت ضغط المشاريع الأميركية، ومصالح النظام الأردني وقواه، قد ينفلت السجال إلى صراع وصدام. ولا بد، إذاً، من حل وطني ديموقراطي، يكفل، في الآن نفسه، حق الكيان الأردني في التطور السياسي في دولة وطنية، وحق الشعب الفلسطيني في وحدة هويته السياسية ونضاله لإقامة دولته وحقه في العودة إلى أرضه وإعادة بناء كينونته ومجتمعه الخاص، وذلك من دون المساس بالحقوق المعيشية المكتسبة للأشخاص وحقهم في الاختيار.
وإذا ما اعترفنا بكل تلك الحقوق معاً، في سياق المقاومة التاريخية للصهيونية، يمكن حلّ التناقضات الثانوية في الأردن، كالتالي: وحدة الشعب في الحياة والكفاح، وانفصال الدولتين في السياسة، في الانتخابات والمجالس والهيئات السياسية، أما اتحادهما، الضروري، فيمكن في إطار كونفدرالية خماسية مشرقية مقاومة، لا في كونفدرالية ثنائية مرتبطة بإسرائيل.
سوريا
العدد ٢٢١٣ الاثنين ٣ شباط ٢٠١٤

بهدوء | «فتوحات» القرن الـ 21 بقلم الشيخ ناهض حتر

نشر الشيخ ياسين العجلوني مقالة 

للشيخ  ناهض حتر

بهدوء | «فتوحات» القرن الـ 21

ناهض حتر
«... حاجّهْ نضحك ع حالنا و عَ معتقداتنا... هيدي شريعة.. وهيدا تاريخ يعيد نفسه.. يعيد نفسه.. رجاء انتبه عَ يعيد نفسه، بكلّ دقّة وحرفيّة. وكلّ (فتوحات) اسلامية لبلاد الشّام و أنتم بألف خير».
هكذا، كتب قارئ سوري، في تعليق ذكي صريح على مقالي «مسيحيو الرقة، الصاغرون». هو يعتقد أن «داعش» تكرّر ما قام به الخليفة عمر بن الخطاب الذي فرض الجزية على مسيحيي فلسطين، رغم أنهم استقبلوه بالأناشيد!
التاريخ يعيد نفسه! غزاة الصحراء الذين تمكنوا من غزو العراق والشام، واخضاعهما، قبل 14 قرناً، يكرّرون، اليوم، غزو المشرق، مستخدمين الخطاب الديني نفسه. حسناً، إنما يجدر الانتباه إلى ما يلي:
أولا، أن ذلك الخطاب الديني نفسه، تكوّن في الجزيرة البدوية/ البدائية، كخلاصة للخطابات الدينية المتشكلة في المراكز الحضارية المشرقية، لكنه شُحنَ فيها، خصوصا لدى قيام الدولة الدينية في المدينة، بالروح اليهودية الإقصائية ــــ العنفيّة، وبروح السياسة القَبلية، وأصبح، بالتالي، أيديولوجيا ملائمة للغزاة.
ثانيا، الغزو القبلي الجزيري للمشرق، حدث في إطار عربي؛ (ذلك أن المشرق عربيٌ قبل الإسلام، بل أن اللغة العربية التي نعرفها لم تتشكّل في الجزيرة، وإنما في بادية الشام). وقد لعب هذا الإطار المشترك للبلاد المتحضرة المفتوحة وجحافل الغزاة القبليين، دورين، أحدهما سلبي، ويتمثل في تراخي مقاومة المتحضرين، وثانيهما إيجابي، ويتمثّل في استيعاب الغزوة، سياسياً وحضارياً ودينياً؛ فجرى التحالف ــــ في الشام ــــ مع البيت الأموي لإنشاء دولة مَدنية لا دينية، ومن ثم استعادة الاسلام، أي اعادة تملّكه؛ اعتماد الروح والنصوص المكية منه، وتطويره، وتحديثه، واخضاعه للتحضر والتعددية، بينما أبدع العراقيون اسلاماً عراقياً يستعيد الروح الدينية المشرقية المتراكمة عبر العصور، في التشيّع. ومسيحه الحسين بن علي. وهو شخصية مشرقية لا تمت بصلة إلى ثقافة القبائل وإقصائية اليهود. ومن التشيّع، تناسلت التعددية المذهبية اللاحقة، وما بقي منها من علويين واسماعيليين ودروز الخ. ولا ننس، بالطبع، حركة إعادة التملّك المشرقي العظيمة للإسلام، المتمثلة بالتصوّف، أو الأيديولوجيا العلمانية الواقعية التي أنتجها المجتمع العراقي الوسيطي المتحضر، وظلالها واضحة في فقه أبو حنيفة النعمان، إمام الثورتين.
ثالثاً، الغزوة الثانية ضد حضارة المشرق وتعدديتها، كانت صليبية أوروبية ومغولية آسيوية، أوجدتا المناخ لنشوء حملة تكفيرية إقصائية ضد التسنّن الأموي والشيعة وفرقها والمسيحيين، في ظل استعادة الخطاب الديني الصحراوي نفسه على يدي ابن تيميه.
رابعا، الغزوة القبلية الصحراوية الثانية، المشبعة بالروح اليهودية هي التي نعيش ذروتها اليوم في سوريا على أيدي التنظيمات الإرهابية من «جيش حر» و«جبهة اسلامية» و«نصرة» و«داعش»، ولدت في نجد بالتحالف بين السعوديين والوهابيين، وبعدما توقفت غزواتها العسكرية على المشرق، العام 1924، عاد النفط ليسعفها منذ السبعينيات، فابتدأت بالغزو الإعلامي والسياسي والديني، على المستويين المشرقي والعربي، واستطاعت أن تستعيد الهيمنة على وعي أقسام واسعة من الجمهور السنّي، وهيّأت الأرضية الخصبة لولادة وتجذّر التيارات التكفيرية الإرهابية، بكلّ اتجاهاتها. وها إنّ سوريا والعراق ولبنان ــــ وغداً الأردن وفلسطين ــــ تدفع الثمن الباهظ لذلك الانقلاب الأسود.
خامسا، على هذا ــــ وغيره كثيرٌ لا مجال هنا لتعداده ــــ لسنا، في النهاية، إزاء اسلام واحد، وإنما بصدد لوحة اسلامية ــــ ومسيحية ـــــ تعددية غنية، أنتجها التاريخ الاجتماعي للمشرق العربي؛ وفيها ألوانٌ زاهية كالإسلام الأمويّ الدمشقي والحنفيّ البغدادي والصوفيّ والحسينيّ والعلويّ والفلاحي ــــ الوثني ـــــ المسيحي ــــ الإسلامي المتمثّل في ديانة الخضر المشتركة الخ.
سادساً، وكل عناصر هذه اللوحة تجد لها في النص القرآني سندا، تأخذ بعضه وتؤوّل بعضه وتنسخ بعضه، انطلاقاً من واقعها الاجتماعي الثقافي الفعلي؛ بالمقابل، فإن التيارات الأصولية تتجاهل معظمه الأساسي، وتلح على قليله الخاص المرتبط بصراعات تأسيس دولة المدينة. وتريد تلك التيارات إعادة تأسيسها، متجاهلة 14 قرناً بتراثها وتحولاتها.
غير أن التكرار الحالي، يشكل كارثة؛ فلأنه مستحيل واقعياً يتحول إلى إرهاب مجرد، وبما أنه يستخدم تقنية القتل الحديثة، فهو أقدر على الفتك بالبشر، وترويعهم. أما إمكانية تأسيس الدولة الدينية، فهي تقتصر على هذه البقعة أو تلك من بلادنا، في ظل العدوان الخارجي والفلتان الأمني وانتشار الفوضى والجريمة؛ فهي، إذاً، ليست دولة مشروع، كما كان الحال مع دولة المدينة، على قبليتها وعنفيتها، وإنما هي مربع أمني لعصابة مجرمين مفصومين نفسياً، ويستخدمون الخطاب الديني لدولة المدينة التاريخية، لتبرير انتهاكهم للحرمات وتسلّطهم على المجتمعات المحلية. ونلاحظ أنهم يتمكنون من ذلك، فقط من خلال التحالف الواقعي مع العدو الامبريالي الصهيوني. والمضحك المبكي أن ذلك جرى ويجري تحت شعار الثورة على الاستبداد!
سياسة
العدد ٢٢١٧ الجمعة ٧ شباط ٢٠١٤

مسيحيو الرقّة، الصاغرون! .. بقلم : ناهض حتر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

نشر للشيخ ناهض حتر مايلي

مسيحيو الرقّة، الصاغرون! .. بقلم : ناهض حتر

مسيحيو الرقّة، الصاغرون! .. بقلم : ناهض حتر فرضت "داعش" الجزية على المسيحيين في الرقّة. حدثٌ يداعب، اليوم، غرائز، مكبوتة بقوّة الدولة، لدى إسلاميين. أكثرهم اعتدالاً لا يستطيع أن يجادل "الداعشيين" في النص الصريح، فما بالك بالتكفيريين من أمراء "النصرة" ــــ الممثل الشرعيّ لـ "القاعدة" في بلاد الشام ــــ أو من تنظيمات "الجبهة الإسلامية" أو من كتائب "الجيش الحر" التي لا تخفي هويّتها الأصولية في مسمّياتها وراياتها كما في أفعالها. في الواقع، كل نقاش يقف على أرضية نهائيّة النص ومثال السلف، ستكسبه "الدولة الإسلامية" حتماً، لأنها الأكثر التزاماً وحِرَفية، في فضاء محكوم باستحضار منطق تكرار لحظة التأسيس الديني خارج الزمن التاريخي.
قرر "الداعشيون" الذين استتبّت لهم إمرة الرقّة أنهم يواجهون "مشكلة تتطلب حلاً"؛ إذ كيف بقي مسيحيو الرقة مسيحيين كفّاراً بعد 14 قرناً من نشوء الإسلام، وأحكامه القاطعة فيهم. واجبٌ مستعجل جداً، القيام بتصحيح خطأ استمرّ قروناً.
ولكن، لماذا استمرّ هذا الخطأ اللعين كل هذه القرون؟ أكانت أجيال المسلمين، منذ التأسيس، غافلة عن النص الصريح، أو ضعيفة الإيمان؟ لا يستطيع الأصوليون، بكل ألوانهم، أن يتصوّروا استمرار حضور المسيحيين في المشرق ــــ ومن دون جزية أو قتال ــــ إلا كخطأ تم التأخُّر طويلاً في إصلاحه، بحيث لم يعد تأجيل معالجته ممكناً.
لدى البحث في جذور ذلك "الخطأ"، سنجد أنه لم يكن كذلك، وإنما خلاصة صيرورة تاريخية معقّدة من العقلانية الواقعية التي أوقفت تطبيق النصوص الحربية ضد المسيحيين واليهود وسواهم من غير المسلمين، بعد استكمال ضرورات قيام الدولة الإسلامية الأولى، ثم انشقاق الاسلام نفسه، فرقاً ومذاهب وطوائف، وتشكّل لوحة دينية تعددية في سياق تاريخي واقعي من موازين القوى والصدامات والتحالفات، فرضت الجزية هنا أو هناك أحياناً، ونسختها هنا أو هناك في أزمان عديدة، مما كان يستفز قوى أصولية للسعي إلى تصحيح الخطأ بالمذابح والتهديدات والتنكيل. وقد شهد التاريخ أول صحوة أصولية مضادة للمسيحيين في عهد الخليفة الأموي، عمر بن عبدالعزيز، حين سعى الأصوليون إلى الانتقام من جو الوئام المسلم ــــ المسيحي في ظل الدولة الأموية التي أسسها معاوية بن أبي سفيان على روابط العروبة، لا على روابط الدين. وحيثما كانت الروابط الأولى غالبة على الثانية، كما هو الحال، مثلاً، في التجمعات العشائرية، نَعِم المسيحيون بعضوية المجتمع المحلي المتساوية، بلا قيود.

ليس هنا المكان الملائم لسرد تاريخي، ولكن لفهم آلية التاريخ الاجتماعي في التعامل الواقعي مع النصوص. لم تلغ الدولة العثمانية، الجزية، قانونياً، إلا في العام 1855، لكنها لم تكن، قبل ذلك، قادرة على تطبيقه دائماً، وفي كل مكان. "داعش"، في لحظة تأسيس دولتها، تستعيد لحظة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى، مهملةً تاريخ المناطق والمجتمعات والتحوّلات. الجديد أنها أضافت إلى الخيارات النصّية بالنسبة للمسيحيين (الإسلام أو الجزية أو القتال ــــ والأخير، في حالة التغلّب، لا يعني سوى القتل ــــ) تهديداً أبدعه الهَوَس الجنسي المشبوب لدى التكفيريين والمرتبط بانتهاك كرامة الكفّار: إقامة الأمراء في بيوت المسيحيين للتمتع بنسائهم! الأصوليّ يلغي التاريخيّ جملةً، ويلغي، خصوصاً، شروط التكوّن التاريخي للنسيج الاجتماعي الثقافي التعددي كما أبدعته القرون في المشرق العربي. وقد ظنت الدولة الوطنية الحديثة أنها ترث ذلك النسيج وتبني فوقه ما يمكننا أن نسميه "علمانية واقعية" لا تحتاج إلى معاناة القطيعة الفكرية مع الأصولية، قطيعة غير ممكنة إلا بثورة ثقافية علمانية جذرية، تحوّل الواقعي إلى ايديولوجيا، لئلا تظل الأيديولوجية الماضوية، تستعيد حضورها المدمّر، كلما ضعفت الدولة أو تراجعت قدرتها على قمع التوحش أو تحسّن هامش الحريات الذي أصبح هامشاً لحرية الأصولية، منبع التكفيرية، وعدوانها المميت على المجتمعات والدول.
تسوم "داعش" مسلمي الرقة ومسلماتها ألواناً من الانتهاكات الفظيعة، ومنها قطع أصابع المدخنين وإعدام مقصّري شعورهم... الخ. وتجنّد النساء لشنّ حرب إذلال جسدي ومعنوي على النساء ــــ ليس فقط عدم ارتداء النقاب، بل ظهور المرأة بلا محرم أو جلوسها على كرسيّ يعرّضها للجلد... الخ؛ إنما كل ذلك يتعلق بمخالفة السلوكيات التي قرّرها أمراء داعش المفصومين نفسياً، لا بالهوية والوجود، كما هو الحال بالنسبة للمسيحيين والشيعة والعلويين والاسماعيليين والدروز الذين يتعرضون لحرب إبادة صريحة، تشنها فصائل "الثورة" السورية الراهنة بلا استثناء.
مسيحيو الرقّة ينتظرون الجيش العربي السوري لتحريرهم، أما مسيحيو سوريا والمشرق، فينتظرون أصواتاً جريئة واضحة عالية، تندّد وتتبرّأ وتقطع الصلات ليس فقط مع أفعال مجرمي "داعش" وزميلاتها، بل مع جذور رؤيتهم الفقهية والدينية؛ هل هناك اسلاميون يجرؤون على القول: حكم الجزية نسخه التاريخ.

الاخبار
الاراء المنشورة تعبر عن راي اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن راي الموقع



الأربعاء 05-02-2014